أخبار وطنية صفحات فارقة من تاريخ الحركة الوطنيّة التونسية... بقلم الاستاذ الجامعي فؤاد المؤخر (الجزء الثاني)
بقلم الاستاذ الجامعي فؤاد المؤخر- الجزء الثاني
تـحوّل الزعِـيم الحَـبِـيب بورقـيـبة إلى مدينة بِـنْـزرت حَـيْـثُ ألْـقى فيها يَـوم 18 جانفي 1952 خطابا تاريخيّا اعْـلِـن فيه حتميّة الكفاح المسلّح LA LUTTE ARMÉE.
أعْـلَـن الزَّعـيم بُـورقِـيبة الكِـفاح الْـمسلّح ضدّ الجيش الفرنسي المسلّح رغم ما كان يعرفه جيِّدا من تَـفَـاوُتٍ عَـسْـكَـري كبير جدّا في ميزان القُـوى … أعلن عن حتمِـيَّة الكفاح وإن كان بقَـلِـيل جِـدّا من السُلاح… فقد كان بكثير جِـدّا من الإيمان بالنَّـجاح… بعض بنادق صيد الخيّالة و بعض بَـقَايا أسْـلِـحة الحرب العالميَّـة بالإيَّـالَـة و صِـدِْق و إخْـلاص مُـقَـاوِمِـيـن لا يعْـرفُـون العمالة… هذا الصّدق والإخلاص هو الذي كان بالتّحديد أقوى و أنجع أسلحة المقاومة.
كان قد سبق للزعيم بورقيبة أن قال يوما في هذا الموضوع : "قادم على الجبل بقادومة"، حتّى صار البعض يتندّرُ بهاته المقولة.

-في جزيرة قروا حيث كان الزعيم بورقيبة موقوفا ويظهر على يمينه بشير بن يحمد وعلى يساره حامد القروي وفي الصف الأمامي الطيب المهيري وبورقيبة جونيور
لكنّ الأحداث الموالية، أعطت درسا و تأكيدا ليس فقط للتونسيين و لكن لأشقّائنا كما لعديد الشُّعوب الأخرى، أنّ "القادومة" بالصّدق و الإخلاص، و الشّجاعة و المثابرة و الإيمان يمكنها أن تفعل المستحيل. الجديـر بِـالـذِّكـر أنّ يـوم 18 جانـفِـي 1952 هُـو أيْـضًا الـيَـوم الذي انعقد فيه بمدينة صفاقس المؤتمر الرّابع السرّي للحزب الحر الدستوري الجديد، وذلك برئاسة المغفور له الشّهيد الهادي شاكر، و بحضور الزَّعيم النّقابي الشّهيد فرحات حشّاد .
هذا المؤتمر طالب بإلغاء الحماية وإعلان إستقلال تونس.
18 جانْـفِـي 1952، هُـو أيْـضا نـفْـس الْـيَـوم الْـذي ألْـقِـي فِـيـه القبض على رئيس الحزب الحبيب بورقيبة، بمعيّة المرحوم المنجي سليم، و ثمّ ترحيله إلى طبرقة، ثمّ جالطَـة، ثمّ فرنسا. تَـلَى ذلك بِـمدّة وجِـيـزة إعتقال المناضل الهادي شاكر.
إنْـطَـلَـق الجَميع فَـورًا، و بكلّ حماس في الإعداد الجدّي لـلْـكِــفَــاح الْــمُـسَــلّـح. كََـــانََــتْ قِــيَــمُ الْــشَّـجَـاعَـــة و الْـــرُّوح "الـجِهَـاديَّـة" فـي سَــبِــيــل الأرض و الْــعَـرض، هِـي الْــدّافِـــع الأساسي و الإسْـمَـنْـت الذي يَـشُـدُّ وِثَـاق هاته الْـمُـقَاومة رغْـم الْـنَّـقْـص الفَـادح فِـي العَـتَـاد الْـمتوفّر و محدوديته.
أذكر في هذا الصّدد، على سبيل الْـمِـثَـال : تَـتَـوَفَّـر بُنْدقِيّة واحِدة لأربَعة مُقاومين بِمنطَقة تالة-القصرين، و سلاح واحد لمقاومين إثنين في منطقة بنزرت. تمّ تجاوز نقص السلاح بِـفَـضْل الأسَـالِـيـبِ الْـمُعْـتَـمَدة مِـنْ قِـبَـلِ الْـمُـقَـاوميـن، وَ حَماسِـهِم و إرْتِـفاع معْـنويَّـاتهم.
قوات جَـيْـش الاحْـتِـلَال لَـمْ تجِـدْ نَـفْـسها في مواجهة جيش نظامي يَـعْـتَـمد الأساليب الحربية التقليدية، بل أمام مجموعات تَـعْـتَـمِـد تكْـتِـيك َحَـرب العصابات بِـإعْـتِـمَادِ أسلوب بورقيبة في "الكرّ و الفر".
عَملِيَّات مقاومة تستهدف المصالح الحَـيَـوِيَّـة للْـمُـسْتعمر، من قَـطْـعٍ للاتِّـصال والتَّـواصل، والإضْـرار بالممتلكات الحكومية، وَشَـتّـى أمْـلاك الْـمُـعَمرين والمتعاملين معهم … الأمر الذي كان يُـنْـهِـكُ الجيش الفرنسي على الميدان، و يجعله في حيرة من أمره.
بدأت نواة المقاومة المسلحة إستجابة لدعوة الزعيم بورقيبة لِـلْـكِـفاح المسلّح في التّـشَـكُّـل بين شهري جانفي و مارس 1952 بمنطقة الأعراض (حامة قابس) ثُـمَّ تدريجيإ، إمتدّت إلى جهات شمال وغرب الإيالة كنتيجة حتميّة للقمع العسكري الذي لاقاه المقاومون . إنْـتَـشَـرت شعبية المقاومة بِـسُـرْعَـة فَـائِـقَـة، و دَعَّـمَها الأهَالِي بعَـفْـوِيَّـةٍ كُـبْـرَى مَاِديًّـا وَ لُوجستيًّـا، مِـمَّا يجعلنا نستنتج أنّ هاته المقاومة كانت شعبيّة بأتمِّ معنى الكلمة.

-الثالث ابتداء من اليمين: الهادي المؤخر رفقة اعضاء من الشعبة الدستورية بصفاقس
إنتظم المقاومون في مجموعات صغيرة تمركزت غالبا بمناطق جبلية. بَـدأت أوَّلُ نواة المقاومة المسلّحة عند العروش الْـقَبلية، في صميم المناطق الريفية. بَـيْـدَ أنَّـه مُباشرة إثر الإنتصارات التي حقّقتها المقاومة، وقع إحْـتِـواءُهَا ضِـمْـنَ هَـيَـاكِـلِ الْحزب الحر الدستوري الجديد.
هذا الاخير عمل على تأطيرها وَ توجيهها، و توفير الحزام السّياسي و المشروعيّة النضاليّة لها حتّى تصبح وسيلة ضغط على المستعمر الفرنسي. الرّوابط الاقْـتِـصاديَّـة و الإجتماعِـيَّـة بيـن القبائل خَـلَـقَـت تكَـامُلا للمُـقَـاومة بيـن مختلف مَـناطق البلاد لا سيما بتطور الإتّـصال و الْـمواصـلات. سَـهَّـل هذا إلى حَـدٍّ كَـبِـيـر تحركَـات المقاومين.
مُـسَـاندة الأهالي للْـمُـقَـاومة ايضا مثّـل ملاذا لهم عند فرارهم من الْـمدن. و لا بُـدّ أن نُـشِـيـد هنا بالـدّور اللوجِـسْـتِي الـفَـعّـال الذي لَعِـبَـتْـه الْـمرأة الرّيفيّة بالخصوص. من تحويل للأسلحة، إلى توفير للمأكَـل و الْـمشرب و الْـملبس، إلى إبلاغ المعلومات الإستخباراتيّة بتحرّكات قوات الجيش و الجندرمة،و كذلك إبلاغ التّعليمات من قيادة الحزب إلى الفلّاقة المرابطين بالجبال و المخابئ.
في باريس الطلبة الدسْـتُـوريّون، لا سيما الْـمنضوون صُـلْـب الشّعبة الدستورية بباريس، رغم قلّة عددهم و إمكانياتهم، قد أنجزوا خلال هاته الفترة أعمالا جسيمة، أعتقد أنّها قد غيّرت مجرى التّاريخ ليس فقط بتونس، و لكن على المستوى العالمي أيضا، بالرّغم أنّ التْاريخ إلى حَـدِّ هذا اليوم لم ينصفهم في ذلك.
قبل أن أبيّن ظروف و تأثير إنجازات الطلبة التونسيّـين في باريس وقتذاك، أفِـيدُ أنني علمت و أنا بصدد البحث في هذا الموضوع، أنّه مُـؤخَّرا قد إعتنى فريق من الـمُؤرخين بالقيام بالأبحاث في هذا التّاريخ، و قد تحصّلوا من الأرشيف الفرنسي على كمٌّ هائل من الوثائق المتصلة بذلك، و تمكّنوا إلى حدّ الآن من تحريرا إلى ما يتَّـسِعُ إلى طبع أكثر من كتاب.

-صالح بن يوسف في صورة جماعية
ظروف و آثار حركة طلبة تونس بباريس في الخمسينات : مباشرة إثر الحرب العالميّة الثانية، راجت في العالم مبادئ و نظريّات كونيّة جديدة مثل "حقوق الإنسان", و "الضّمير العالمي"…
LES DROITS DE L’HOMME LA CONSCIENCE UNIVERSELLE
بيد أنّ هاته المبادئ ظلّت نظريّة بَحْتَة، أَمَّـا على أرض الواقع، فقد كانت جلّ بلدان ما يُـعْـرَفُ بِـ"العالم الثّالث" ترزحُ تحت الإحتلال الأجنبي المستغِلّ لثرواتها. أذكر منها البريطاني و الفرنسي، و البلجيكي و البرتغالي و الألماني (ناميبيا) …. بالنسبة للمستعمرات الفرنسيَّـة، فَـبِـإستثناء الهند الصينية، لم يتحرّك أحد من هاته البلدان مطالبا باستقلاله و إستغلال ثرواته لمصلحة شعبه.
تونس لم تكن فحسب سبّاقة في ذلك من أجل نفسها، لكنّ طلبتها البواسل في باريس، خاصّة بعد تأسـيـس مـنظمة الاتحاد العام لـطلبة تونس المعْـروفة باسم L’UGET، و بفضل مجهوداتها الجبّارة، قد تمكّنت من إستدراج نخبة هاته البلدان (الذين كانوا هم أيضا طلبة في باريس) لمشاركتهم النّضال قصد تخليص بلدانهم من الإستعمار، و أخصّ بالذكر منهم البلدان الإفريقية.
لقد لعبت L’UGET دور القاطرة لهاته البلدان. تولى الطلبة الدستوريّون في باريس مهمّة رصد الآحداث الدّائرة بتونس بكلّ دقّة و عناية و ألهموا بذلك اصدقائهم من طلبة البلدان الأخرى . كانوا يتفنّنون بإمتياز لإعطاء أيّ حدث من الأحداث و لو كان بَـسِـيطًـا أبْـعادًا سِـيَـاسيّة كُـبْـرى.
كَـثَّـفَ الطَّـلبة من حملاتهم الدّعائيّة لِـفَـضْـح أحداثٍ عديدة لِـتجاوزات الْـقُـوَّة العَـسْـكريّة الفرنسية الغاشمة ضدّ شعب تونسي أعزل. الهدف المنشود هو إيصال أخبار المقاومة إلى الرّأي العام الْـفـرنْـسي. من ذلك أنّهم بإمكانياتهم البسيطة كانوا يجتهدون لصياغة و طبع و تَـوزيع نَـشْـريات طُـلّابِـية قَـيّمة غَـطّوا فيها بإمتياز تقريبا كلّ الأحداث التي وقعت خلال سنة 1952.
في مطلع سنة 1953 ، بادروا ببعث صحيفة : L’ÉTUDIANT TUNISIEN هاته الصحيفة قد كانت سريّة في بدايتها نظرا لما كان يفرضه القانون الفرنسي آنذاك من شروط إداريّة صعبة، منها وجوب أن يكون الوكيل الرّسمي للصّحيفة فرنسي الجنسيّة.
توصّل الطلبة بعد ذلك لإيجاد فرنسي من أصول تونسيّة قَـبِـلَ أن يتولّى وكالة هاته الصّحيفة لتصبح بذلك علنيّة و قانونيّة. وَ بِـتَـأطير محكم من الشّعبة الدستورية بباريس، آل الطلبة على أنفسهم الإنخراط من مواقعهم في هاته المقاومة المسلّحة و تمكينها من حزام سياسي و مدني قوي يدعمها لدى الرّأي العام الفرنسي بالخصوص.
رهَـان كَـبير و كبير جِـدّا، أمام هياكل قويّة و مسنودة من عدّة أطراف نافذة جِـدًّا.أذكر من أبرز و أخطر هاته الهياكل، منظمة ذات نزعة إسْـتِـعماريّة متشدِّدة، كانت تتمتع بـمساندة كبرى مِـن الْـمعَـمّـرين، من عَـديـد أعْـضاء البرلَـمَـان و قَـادة الجَـيـش الفرنسيين.
مُـنَـظَّـمَـة أفرزت العَـديد من الْـوُجِـوه الإستعماريّة المتشدّدة و المعارضة لإستقلال المستعمرات مثل المقيم العام JEAN DE HAUTECLOQUE
هاته المنظمة المذكورة آنفًا هي :
LE RASSEMBLEMENT FRANÇAIS DE TUNISIE
لَـكِـنَّ الطلبة أصَـرُّوا على عدم تفويت فرصة واحدة من التي تمنحها حوادث المقاومة المسلّحة الدّائرة في الإيالة التونسية دون أن يستغلُّونها سياسيّا على أحسن وجه. السّلاح المتاح هو سلاح فِـكري و ليس عَـسكري من أجل تعديل ميزان القوى في هاته المعركة الحامية الوطيس.
في هَـذا الإطَـار عَـادة ما كَـان الطَّـلَـبة يَـلجَـؤون إلَى تَـضخِـيم الأحداث و تهويلها قصد مزيد فضح المستعمر و كسب تعاطف الرَّأيَ العـام الـفـرنسي و الـدُّولي. لم يكُـن هذا العَـمَـل من باب الصُّدفة، إنّما هو نتيجة إستراتيجيّة مدروسة وَ خطّة محكمة بصفة ذكيّة جِـدّا تمكِّنً من تحقيق الأهداف بنجاعة فائقة و دون أيّة تكاليف تذكر.
بالْـتَّوْضِـيـحِ الْـمُـخْـتَـصَـرْ، خطّة يَـتِـمُّ بِـمُـوجِـبِـهَـا إستعمال صحف وَ وَسـائِل الإعلام الفرنسيّة للترويج للقضيّة التونسيّة و الدِّفَـاعِ عَـنْـهَـا. في هاته الفترة، إبتدأت المقاومة بالردِّ على الإعتداءات المتكرّرة للمقيم المتغطرس DE HAUTECLOQUE بتوجيه ضربات جريئة للقوّة العسكريّة الإستعماريّة.
لا يتّسع المجال هنا لذكر كلّ هاته الأحداث، لكنني أكتفي بذكر بعضها. يوم 22 جانفي 1952 تأتي من سوسة، حادثة رئيس المنطقة العسكريّة بالسّاحل العقيد دوران :LE COLONEL DURAND
تتلخّص هاته الحادثة كما يلي : هذا العقيد "دوران" كان يتناول فطور الغذاء في بيت بشارع سُمِّي لاحقا شارع الحبيب ثامر، و إذا بمظاهرة تقوم هناك فخرج العقيد DURAND يتحدّى الْـمتظاهرين و ربَّـما يستفزٌّهم أيضا بإطلاق الرّصاص من مسدَّسه. بينما كَـذلك، يصعد إليه أحد المتظاهرين قصد منعه من إطلاق النّار على المتظاهرين العزّل.
و تندلع إشتباكات عنيفة بين المتظاهرين و قٌـوَّات الإحتلال، ينقظّ خلالها بائع أسماك بسكُين على العقيد DURAND فَـيُـرْدِيهِ قَـتِـيـلًا. و حمي وطيس تلك المعركة التي سقط فيها عديد القتلى من الجانبين. بتأطير من الشّعبة الدستوريّة بباريس، يبادر الطلبة بإعطاء هاته الحادثة أبعادا كبرى عبر وسائل الإعلام الفرنسية لا سيما منها المكتوبة، فخرجت مقالات الصّحف تقول : " مقتل ضابط فرنسي سام برتبة عقيد"…. التركيز على بشاعة حركة هذا العقيد DURAND وهو يرتدي بدلته العسكريّة، و يعمد إلى إطلاق النّار من مسدّسه على مدنيين عُـزَّلْ … مقارنة المقاومة التونسيّة بالمقاومة الفرنسيَّـة ضدّ المستعمر الْـنَّـازي … إلخ.
في اليوم الموالي (23 جانفي 1952) خلال مظاهرة بمدينة المكنين، تندلع إشتباكات بين المتظاهرين و قوات الإحتلال تأدّي إلى تبادل لإطلاق النّار، يُـسْـفِـرعن مَـقْـتَـل ثلاثة من جنود الإحتلال.
و في نفس يوم 23 جانفي 1952، تندلع أيضا حادثة طبلبة المجاورة : تتلخّص هاته الحادثة في أنَّ ركبا عسكريًّـا فرنسيًّـا يضمُّ بضع عشرات من الجنود، كان يريد الدّخول إلى وسط مدينة طبلبة. من أجل ذلك كان لزاما على هذا الرّكب أن يمُرَّ عبر جسرٍ ضَـيِّـقٍ وَ صَـغِـيـر.
المقاومون ينصبون كمينا لهذا الرّكب بأن يهاجموه على مستوى عنق مضيق الجسر، و يرمونه بوابل من "العصبان". (العصبان هو نوع من المفرقعات يستعمله البحّارة لإصطياد أنواع من السَّـمك ).
سارع الرّكب العسكري الفرنسي بالتَّـرَاجع، مظطربًا من فرقعة "العصبان". الطلبة التونسيُّون بباريس، بتأطير من الشّعبة الدستوريّة هناك أطنبوا أيَّـما إطناب عبر عديد وسائل الإعلام الفرنسية في تصوير ذلك على أنّه إنكسار كبير و مُـذِلْ للقوّة العسكريّة الفرنسية أمام المقاومة التونسيّة.
تمكّنت الشّعبة الدّستوريّة في باريس من إقناع صحفيًّـا بارزا يعمل في جريدة FRANCE SOIR ليس فقط كي يكتب مقالا مُـطَوَّلا يتحدّث فيه عن هذا الموضوع الذي صَـوَّرُوهُ لَـه -على طريقتهم- بكلّ تفاصيله و ظروفه و ملابساته، و لكن أيضا كي يجعل له و بالأحرف الكبرى عنوانا يليق به : TEBOULBA AUX MAINS DES INSURGÉS

-رسم تخطيطي لمعركة طبلبة
مَـدِيـنَـةُ طبلبة الباسلة تحتفظ إلى حدِّ هذا اليوم بهذا العدد من صحيفة FRANCE SOIR و تعرضه في عديد المناسبات، لا سيما في ذكرى إحياء هاذا الحدثْ.
في هذا الصّدد، أريد أن أفيد أيضا، أنّه طبقا للاستراتيجيّة المرسومة من الشّعبة الدستورية بباريس، فقد تَـمَّ حثُّ الطلبة عَـلى ربْـط أطْـيَـب العَـلاقات ( بصفة شخصيّة ) مع مُـخْـتلف و سائل الإعلام الفرنسيَّـة و كلّ الأصوات المنادية بحلِّ قضايا المستعمرات.
الهدف المقصود : التّسهيل على وسائل الإعلام التعريف بالقضيّة التونسيّة، و لما لا، مدّ يد العون لها. من ذلك أنّ رئيس الشّعبة الدستوريّة آنذاك الطالب الشّاب حامد القروي، قد تمكَّنَ من ربط علاقات صداقة متينة مع أبرز صحفي جريدة : LE FRONT TIREUR التي أسّسها الفرنسيّون المقاومون للنَّازيّة. هذا الصّحفي البارز هو السيّد : JEAN ROUSS
حادثة طبلبة أعطت فرصة ممتازة جِـدّا للطلبة التونسيين بباريس،كي يقحموا- على رأي الزعيم بورقيبة- مع سياسة الترغيب … شيئا من التّرهيب للنَّـيْـلِ من معنويات المجتمع الفرنسي الذي كانت قواته العسكريّة تعتدي على أهالينا العُزَّلْ. توفّق الشّاب حامد القروي، أن يقنع صديقه الصُّحّفي JEAN ROUSS أنّ ميناء طبلبة :" هو ميناء عسكري هام في قلب البحر الأبيض المتوسّظ، و أنّه فد أصبح اليوم تحت سيطرة قوات المقاومة المسلّحة التونسيّة، و صار بذلك يهدد القوات الفرنسيَّـة المرابطة بالمنطقة "…، بينما لم يكن الأمر يتجاوز مُجرّد مشاجرة بسيطة بيـن بعض عناصر من قوّات الإحتلال و بعض البحّارة أصحاب قوارب الصّيد.
الجميل و الطّريف فِـي هذا، هو أنَّّ الصّحفي JEAN ROUSS في لقاء صحفي كبير و متميّز، قد نقل إلى الرّأي العام صورة هاته الأوضاع على النّحو الذي وصفه له الشّاب حامد القروي. إنتشار مثل هاته الأخبارالخطيرة، قد ساهم بقدر كبير و ملموس في مزيد إرباك الرّأي العام الفرنسي، لا سيما في ظلّ الأخبار الغير مطمئنة التي كانت تأتيه من مستعمرات فرنسا في الهند الصّينيّة.
يتبع...